منتديات القانون الجزائري

الركن المادي للجريمة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الركن المادي للجريمة

مُساهمة  algerianlawyer في الثلاثاء أكتوبر 13, 2009 3:38 am

الركن المادي للجريمة

يعرف الفقهاء عادة الركن المادي للجريمة بأنه فعل ظاهري يبرز الجريمة ويعطيها وجودها وكيانها في الخارج أو هو وقوع فعل أو امتناع عن فعل حرمه القانون بما يجعل الجريمة تبرز إلى الوجود تامة كانت أو ناقصة. وانطلاقا من هذه التعريفات يمكن القول وأن الركن المادي يقوم أساسا على عنصر السلوك الإجرامي وأحيانا يكون هذا العنصر كافيا ولوحده لذلك. فالسلوك الإجرامي يعرف بأنه القيام بفعل أو الامتناع عن القيام بفعل يحرمه القانون فهو تصرف الشخص إزاء ظروف معينة. وبالمقارنة بين التعريف المعطى للسلوك الإجرامي والتعريف المعطى للركن المادي للجريمة نتبين أهمية أو قيمة السلوك في توفر ماديات الجريمة. لكن هناك من يرى بأن السلوك لا قيمة له فما هو إلا مجرد عارض ومظهر للشخصية الإجرامية فالجاني لا يعاقب لأنه قام بسلوك ولكنه يعاقب لأن شخصته خطيرة على المجتمع وما سلوكه إلا دليل على تلك الخطورة. بل إن المدرسة الوضعية الإيطالية ذهبت أبعد من ذلك معتبرة أنه لا ضرورة لقيام الشخص بسلوك مجرم كي تتدخل الدولة وتمارس حقها في العقاب فالتدخل يتم قبل السلوك لتلافي الخطورة الإجرامية الكامنة في نفس ذلك الشخص ولو لم يعبر عنها بفعل مادي بعد. إلا أن هذه النظرية ورغم أنها وجدت لها تطبيقات تشريعية فهي لم تلغ المبدأ القائل بأن التجريم لا يلحق إلا عملا ماديا أو سلوكا ذا مظهر خارجي فنطاق تدخل القانون الجنائي مبدئيا لا يشمل النوايا.

كما أن السلوك شرط لازم من أجل أن ينسب لشخص ما اقتراف جريمة أي لقيام الإسناد المادي، فلا يمكن تصور جريمة دون أن تكون نتيجة لسلوك إجرامي فهو سبب النتيجة حينما يثبت توفر العلاقة السببية بينهما، وإليه والى النتيجة كذلك ينصرف العلم والإرادة باعتبارهما عنصري الركن المعنوي في الجرائم القصدية. والسلوك كذلك هو محل الصفة غير المشروعة التي يقوم بها الركن الشرعي للجريمة إذ هو ما يعتني به المشرّع وكل واقعة تنتفي عنها صبغة السلوك لا يتصور مبدئيا أن تكون محلا للتجريم.

هذا إلى جانب أن السلوك الإجرامي معيار للتفرقة بين الجرائم وخاصة بين الجرائم الحينية والجرائم المستمرة (حسب امتداد السلوك زمانيا) والجرائم البسيطة وجرائم الاعتياد (حسب عدد المرات الواجبة لاعتبار سلوك ما سلوكا اجرامي). وانطلاقا مما سبق تتضح لنا أهمية السلوك في البنيان القانوني للركن المادي خصوصا وللجريمة عموما ولكن ما هو مضمون هذا السلوك كعنصر من عناصر الركن المادي للجريمة؟ (أو ما هو النظام القانوني للسلوك بوصفه عنصرا من عناصر قيام الركن المادي للجريمة؟) ولمعرفة مضمون (أو النظام القانوني) للسلوك الإجرامي لابد من التمييز بين صورتيه وهما السلوك الايجابي (I) والسلوك السلبي (II) لأن كلا من هاتين الصورتين ذو مضمون (أو ذو نظام قانوني) يختلف عن الآخر.

I ـ السلوك الايجابي :
الفعل الايجابي هو حركة عضو إرادية وانطلاقا من هذا التعريف فهناك عنصرين لهذا الفعل وهما الحركة العضوية (أ) المتصفة بالصفة الإرادية (ب).

أ ـ الحركة العضوية :
السلوك الايجابي هو كيان مادي ملموس أو محسوس ويتمثل هذا الكيان فيما يصدر عن مرتكبه من حركات لأعضاء جسمه ابتغاء تحقيق آثار مادية معينة. وأهمية الحركة العضوية في كيان السلوك الايجابي واضحة، إذ بغيرها يتجرد من الماديات فلا يتصور أن تترتب عليه نتيجة إجرامية أو أن يحدث عن طريقه مساس بالحقوق التي يحميها القانون. ويترتب على اعتبار الحركة العضوية عنصرا في السلوك الايجابي نتائج هامة:

1 ـ أن التفكير والتحضير لا يعتبران سلوكا إجراميا. فالسلوك الايجابي لا يقوم بمجرد العزم أو التصميم على المساس بحقوق الغير إذ تنقصه في الحالتين الحركة العضوية.

لكن هذا المبدأ لا يمنع من وجود استثناءات حيث يقوم التجريم على مجرد التفكير ومثال ذلك الفصل 131 مجلة جنائية الوارد تحت القسم المخصص لتشارك المفسدين والذي تعرض فيه المشرع لجريمة الوفاق الجنائي (أو الاتفاق الجنائي) فمجرد الاتفاق يكفي لقيام جريمة هذا الفصل وذلك سواء نتج عنها جرائم أخرى أم لا.

2 ـ الحركة العضوية لا تعني دائما حركة اليد بل هي أوسع من ذلك وتشتمل على حركة أي عضو من جسد الإنسان. فهناك عديد الجرائم التي تتمثل الحركة العضوية فيها بحركة اللسان مثل : الشهادة الزور (ف 241 م.ج) والقذف (الفصول 245 ـ 246 ـ 247 م.ج) وجريمة التهديد (الفصل 222 م.ج) حيث جاء بالفقرة الأخيرة من هذا الفصل "... حتى وإن كان التهديد بالقول فقط". فالحركة العضوية إذا أن تشمل سائر الأعضاء دونما تمييز ولكنها تفقد أي قيمة قانونية لها في قيام السلوك الايجابي ما لم تتصف بالصفة الإرادية.

ب ـ الصفة الإرادية :
السلوك الايجابي حركة عضوية ذات أصل إرادي. ولا يضم السلوك بين عناصره الاتجاه الإرادي أي لا يفترض البحث في كيفية اتجاه الإرادة والى ماذا اتجهت إذ يتعلق ذلك بالركن المعنوي للجريمة. ولا يضم كذلك تكييف القانون وحكمه على الحركة العضوية أو الاتجاه الإرادي إذ يتعلق ذلك بالركن الشرعي. فالصفة الإرادية كشرط للحركة العضوية بوصفها عنصر في السلوك الايجابي المكون لأحد عناصر الركن المادي للجريمة يجب أن تكون السبب(1) والمسيطر(2) على الحركة العضوية.


1 ـ الصفة الإرادية سبب الحركة العضوية : الإرادة هي قوة نفسية مدركة فالسلوك الايجابي لا يقوم بحركة عضوية أيا كانت وإنما يقوم بحركة عضوية ذات مصدر معين هو الإرادة، فغياب الإرادة ينفي عن الفعل صفته الإجرامية.

2 ـ الصفة الإرادية يجب أن تسيطر على كل أجزاء الحركة العضوية وتوجهها على نحو معين، فجميع ماديات الجريمة التي يتكون منها الفعل يتعين أن تكون متجهة في اتجاه معين، ترسمه الإرادة ويجب أن يكون الاتجاه الإرادي إلى كل أجزاء الحركة العضوية.

فمن بداء بحركة إرادية ثم فقد السيطرة في مرحلة لاحقة ووقع السلوك الإجرامي لا يعتبر مرتكبا لحركة عضوية إرادية. وأهمية الصفة الإرادية في إنها تستبعد من نطاق السلوك كل حركة عضوية متجردة من الصفة الإرادية وإن أدت من الناحية المادية إلى المساس بالحقوق التي يحميها القانون. فالحركات العضوية المستبعدة طائفتان:

ـ الأولى : هي الحركات الصادرة ممن لا تسيطر إرادته على أعضاء جسمه مثل:حالات الإغماء والشلل.

ـ الثانية : تضم الحركات الصادرة ممن يخضع لإكراه مادي يسلبه كل سيطرة إرادية على بعض أجزاء جسمه (مثل : إمساك يد شخص من طرف شخص آخر وضرب الغير أو إطلاق النار عليه أو وضع السم له...أو تنويم شخص ما مغناطيسيا ودفعه لارتكاب جريمة) ففي هذه الحالة ورغم وجود الحركة العضوية فلا يعد الشخص مرتكبا لفعل في نظر القانون وإنما يعد الفعل صادرا عن الشخص الذي سيطر على حركات جسد القائم بالحركة المادية واتخذه أداة لا إرادة لها.

فالإكراه المادي يعدم الإرادة ويسلب الحركة العضوية صفتها الإرادية فلا وجود للإرادة أصلا وبالتالي لا قيام للركن المادي للجريمة. أما الإكراه المعنوي فهو تغير لاتجاه الإرادة فلا يسلب الحركة صفتها الإرادية وإنما فقط يعيب الإرادة ويوجهها في غير وجهتها. أي أن تأثيره يقع على الركن المعنوي (كضرب شخص أو تهديده بالسلاح للقيام بعمل ما). وبناءا على ما سبق فالصفة الإرادية عنصر أساسي لقيام السلوك الايجابي وسنجد أنها تلعب ذات الدور في السلوك السلبي.

II ـ السلوك السلبي (الامتناع) :
الامتناع : هو إحجام شخص عن إتيان فعل ايجابي معين كان المشرّع ينتظره منه في ظروف معينة بشرط أن يوجد واجب قانوني يلزمه بهذا الفعل وأن يكون باستطاعة الممتنع القيام به. فهذا التعريف وإن كان يحدد شروط الامتناع(ب) لكنه لا يحدد ما هي طبيعة الامتناع (أ).

أ ـ طبيعة الامتناع :
هل أن الامتناع عدم ؟ أم أنه ذو كيان مادي ملموس؟ حتى بداية القرن التاسع عشر كان أغلب الفقهاء يعتبرون الامتناع عدم و"العدم لا ينتج إلا العدم" وبالتالي لا يمكن اعتبار الامتناع المؤدي إلى القتل كالقتل نفسه. ولكن ثبت فيما بعد أنه لا فرق بين من ارتكب جريمته بالامتناع ومن ارتكابها بسلوك ايجابي إذا أن النتيجة واحدة. فالامتناع إذا كان أحد عناصر الامتناع ظاهرة ايجابية فذلك يستتبع بالضرورة أن يكون للامتناع كيان ايجابي.

هذا إلى جانب أن الامتناع يصدر إزاء ظروف مادية، ويمثل تصرف صاحبه في مواجهتها ولما كان الامتناع باعتباره سلوكا إنسانيا ذا صفة واعية ومدركة، فهو بفضل هذه الصفة يكتسب سيطرة على الظروف المادية المحيطة به ويوجهها إلى غايته، فيكون مؤدى ذلك القول بأن هذه الظروف تنسب اليه باعتبارها بعض وسائله لإدراكه غايته ويصل ذلك إلى حد إندماج هذه الظروف فيه واكتسابه منها طابعا ماديا. وهذا التحليل ينطبق على الجرائم السلبية البسيطة والجرائم السلبية ذات النتيجة.

فالجرائم السلبية البسيطة :
يقوم ركنها المادي بامتناع لا تعقبه نتيجه مادية ملموسة، حيث يقتصر نص التجريم على الإشارة إلى الامتناع فيقرر من أجله عقوبة، وتعتبر الجريمة تامة به. ومن أمثلة هذه الجرائم: ـ جريمة إنكار العدالة (ف 108 م.ج). ـ جريمة تعريض طفل أو عاجز للخطر (ف 212 م.ج). ـ جريمة الامتناع المحظور غير المقترن بنتيجة ضارة (الفصل 1 من قانون عدد 48 لسنة 1966 مؤرخ في 3 جوان 1966 ـ يتعلق بجريمة الامتناع المحظور).

أما الجرائم السلبية ذات النتيجة:
فيفترض ركنها المادي امتناعا أعقبته نتيجة إجرامية ومن أمثلتها : ـ جريمة تعريض الطفل أو العاجز للخطر إذا اقترنت بحصول مضرة (قطع أعضاء أو كسرها أو الموت ف 213 م.ج). ـ جريمة الامتناع المحظور إذا ترتب عنها هلاك شخص أو إصابته بضرر بدني (انظر في ذلك الفصل 2 من قانون الامتناع المحظور والقرار التعقيبي الجزائي عدد 11610مؤرخ في 12/3/1986 ـ نشرية محكمة التعقيب ـ القسم الجزائي لسنة 1987، ص232). وتسمى هذه الجرائم بجرائم الارتكاب عن طريق الامتناع. فالجرائم السلبية أو جرائم الامتناع بنوعيها يقوم الركن المادي فيها على :

1ـ عنصر سلبي اقترن بظروف مادية وهو الامتناع وهذا العنصر كاف لقيام الجرائم السلبية البسيطة.

2 ـ أما الجرائم السلبية ذات النتيجة أو جرائم الارتكاب بطريق الامتناع فلابد لها إضافة إلى العنصر الأول من توفر عنصر ثان وهو عنصر ايجابي مادي يتمثل في النتيجة الإجرامية.

فاعتمادا على ما سبق يمكن القول وأن الامتناع ليس عدما وإنما هو ذو كيان مادي ملموس مستمد إما من ظروف الفعل وحدها أو مضافا اليها توفر النتيجة الإجرامية. لكن هل كل امتناع جريمة؟أم أنه لابد من توفر شروط معينة في الامتناع حتى يعتبر جريمة ؟

ب ـ شروط (أو عناصر) الامتناع :
بالعودة إلى التعريف المقدم سابقا للامتناع نتبين وأنه لابد لقيامه واعتباره قانونا من توفر ثلاثة عناصر أو شروط وهي : ـ الإحجام عن إتيان فعل ايجابي. ـ وجود واجب قانوني. ـ الامتناع بصفة إرادية.

1 ـ الإحجام عن إتيان فعل ايجابي :
الامتناع ليس موقفا سلبيا مجردا أيا كان، وإنما موقف سلبي بالقياس إلى فعل ايجابي معين. ويعني ذلك أن المشرّع يعتبر بعض الظروف مصدرا لأن يقوم الشخص بفعل ايجابي معين تقتضيه الحماية الواجبة للحق، فإذا لم يأت هذا الفعل بالذات فهو ممتنع في نظر القانون. وتطبيقا لذلك فإن جريمة إنكار العدالة تفترض أحجام القاضي عن القيام بالإجراءات التي يحددها القانون للنظر في الدعوى، لا عن فعل شيء آخر، فالنظر والحكم بعدم سماع الدعوى لا يعد امتناعا عن الدعوى كذلك لا يعد امتناعا. فالامتناع يجب أن يكون عن فعل ايجابي فرضه واجب قانوني.

2 ـ وجود واجب قانوني:
ليس للامتناع وجود في نظر القانون إلا إذا كان الفعل الايجابي مفروض قانونا على من امتنع عنه. فمثلا امتناع المتهم عن الكلام أثناء التحقيق والمحاكمة لا يعتبر جريمة لغياب واجب قانوني يفرض عليه الكلام (فللمتهم إمكانية أو حق الصمت انظر الفصول 69 و74 و147 م.أ.ج).

3 ـ الصفة الإرادية للامتناع :
باعتبار الامتناع مثل الفعل الايجابي صورة للسلوك الإنساني فالامتناع يصدر عن الشخص ابتغاء تحقيق غاية معينة ويهدف به إلى السيطرة على مجموعة من العوامل والظروف الخارجية من أجل توجيه هذا المجموع إلى تحقيق هذه الغاية. وتقتضي الصفة الإرادية للامتناع أن تكون الإرادة مصدره أي أن تتوفر علاقة إسناد مادي بينها وبين الامتناع فهو يحجم عن الفعل الايجابي المفروض عليه لأنه أراد ذلك وقد كان في وسعه أن يأتي الفعل.

فإذا ثبت أن الإحجام قد تجرد من الصفة الإرادية فلا يوصف بأنه امتناع في المعنى القانوني (كوجود إكراه مادي أو سقوط الشخص مغما عليه...). والى جانب تلك الشروط الثلاثة العامة لقيام الامتناع يوجد أحيانا شرط رابع خاص ببعض حالات الامتناع وهو أن لا يكون الفعل المطلوب القيام به مصدر خطر على الشخص المفروض عليه أو على غيره (راجع الفصلين 1 و2 من قانون الامتناع المحظور).


--------------------------------------------------------------------------------

^ بقلم: أ. محمود داوود يعقوب

algerianlawyer
عضو نشط
عضو نشط

المساهمات : 195
تاريخ التسجيل : 10/10/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى