منتديات القانون الجزائري

دور المجتمع المدني في التعديلات الدستورية بالجزائر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

دور المجتمع المدني في التعديلات الدستورية بالجزائر

مُساهمة  algerianlawyer في السبت أكتوبر 10, 2009 2:30 pm

جامعة الأغـواط

عنوان المداخلة :
دور المجتمع المدني في التعديلات الدستورية بالجزائر

من إعداد الأســتاذين :

حدار جمــال : قسم العلوم السياسية ، جامعة محمد خيضر – بسكرة .
عبد الكريم هشـام : قسم العلوم السياسية ، جامعة محمد خيضر – بسكرة .

مقدمــة :

إن أي إصلاح دستوري أو قانوني أيا كان شكله أو مضمونه لتا يمكن أن يحدث أثره المرجو في ظل العلاقات غير السلمية بين القوى السياسية والاجتماعية القائمة، أو في ظل هيمنة الدولة القائمة بأجهزتها المختلفة على مجمل الحياة السياسية والثقافية والإيديولوجية، ذلك أن فاعلية القاعدة القانونية ليست نتاجا لعقلانية ذاتية، وإنما هي نتاج لتفاعل مع البني المختلفة التي تشكلها في ترابطها وتفصيلها البنية الاجتماعية أوهي بعبارة أخرى نتاج لتفاعل البنية القانونية في مجملها مع البنية الاجتماعية.
والبنية القانونية ليست النصوص القانونية المعمول بها ولكنها تشمل النظام القانوني في مجمل تشريعاته وأجهزته القانونية، ففاعلية القاعدة القانونية ليست نتاجا ذاتيا للنظام القانوني ولكنها نتاج لتفاعل هذا النظام مع النظام الاجتماعي ككل، ومن هنا ستحاول هذه المداخلة مناقشة وتحليل الدور الذي تلعبه منظمات المجتمع المدني بالجزائر في إقتراح و تفعيل التعديلات الدستورية؟
وللإجابة عن هذه الإشكالية سيتم التطرق إلى العناصر التالية:
قضية الإصلاح الدستوري ودور المجتمع المدني.
المجتمع المدني وآليات تفعيل أدواره في الإصلاح الدستوري.
أولا: مفهوم التعديل الدستوري و المجتمع المدني:
1- مفهوم التعديل الدستوري:
التعديل الدستوري هو تغيير جزئي في أحكام الدستور سواء بإلغاء البعض منها أو بإضافة أحكام جديدة ومن هنا الإلغاء الكلي للدستور لا يعتبر تعديلا، وبناء على ذلك يتبين أن التعديل يختلف عن الوضع الذي يعني إنشاء دستور جديد كما يختلف عن الإلغاء الكلي للدستور.
والتعديل يفرض نفسه دائما لأن سمو الدستور لا يعني أنه ثابت لا يتغير بل إن المستجدات التي تطرأ على المجتمع تقتضي تعديل الدستور من أجل تكيفه مع المستجدات وإزالة الآثار السلبية للنصوص القانونية السابقة وإرساء مسار ديمقراطي يمكن من بناء مؤسسات سياسية قادرة على تحديد معنى وجوهر المصلحة العامة.
وهنا يطرح التساؤل حول الدور الذي تلعبه مؤسسات المجتمع المدني في العملية التشريعية في محاولة للتركيز على النتيجة الفعلية للقانون وليس على العملية فقط ، وهذا من خلال افتراضات "النظرية الدستورية" Théorie constitutionnel التي تتضمن مجموعة من المعايير والمبادئ والقوانين التي تحدد صلاحيات وعلاقات أوضاع السلطات العامة، وهيكل العلاقات في الدولة .بالاضافة إلى إقتراب العلاقة بين الدولة و المجتمع لـ (Joel Migdale) حيث سعي كل منهما إلى السيطرة على عملية ( الضبط) .
فهناك أشغال تأثير هامة ومتعددة لمؤسسات المجتمع المدني في العملية التشريعية، إذ قد تعتمد على وضع مبادرة لوضع مشروع قانون أو المشاركة في مناقشة التشريعات وترك بصمات واضحة.
2- مفهوم المجتمع المدني :
يشير مفهوم المجتمع المدني Sociale Civile إلى مختلف الأبنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية و الحقوقية التي تنظم في إطارها شبكة معقدة من التفاعلات والعلاقات والممارسات بين القوى والتكوينات الاجتماعية في المجتمع، التي تحدث بصورة ديناميكية ومستمرة من خلال مجموعة المؤسسات التي تنشأ طواعية وتعمل باستقلال عن الدولـة.
ويعرف المجتمع المدني أيضا على أنه مجموعة التنظيمات الاجتماعية والطوعية التي لات ترتبط بالجهازالحكومي ، وهذه التنظيمات هي وسائط بين المجتمع والسلطة ومن مهماتها بلورة المصالح –الوساطة-الضغط ، ولها أهداف أساسية ثلاثة: الديمقراطية-التنمية –المناعة، بفضل ثقافة إنسانية جامعة تتخطى الانقسامات السياسية
ثانيا : قضية الإصلاح الدستوري ودور المجتمع المدني الجزائري:
إن المجتمع المدني هو وسيلة فعالة لاستكمال بناء عقد اجتماعي جديد كما يقولGramshi Antonio يؤسس لإصلاح دستوري يساهم في تعزيز التطور الديمقراطي وتوفير الشروط الضرورية لتعميق الممارسة الديمقراطية، وهذا من خلال الوظائف التي تؤديها منظماته، حيث تبلور المصالح والمواقف الجماعية وتدعم المشاركة السياسية ومقاومة التسلطية لما يمثله من قدرة على الضغط فيساعد على إجراءات سياسية في المجتمع، والحد من سلطة الدولة وتعزيز المشاركة السياسية وإتاحة الفرصة للأفراد في التعبير عن أنفسهم والدفاع عن حقوقهم وقضاياهم بالإضافة إلى الارتقاء بالوعي السياسي وبالثقافة السياسية وإلى مشاركة جادة في صناعة القرار السياسي، وبالتالي يفضى على التفاعل المجتمعي إلى النهوض بدور فاعل ومهم في عملية التنمية السياسية على العموم ، وفي عملية الإصلاح الدستوري على الخصوص-سواء من حيث الإعداد أو التمهيد لها، وتوفير البيئة المناسبة أم المساهمة في إحداثها .
وبالنسبة للجزائر يكفي أن نشير إلى أن مؤسسات المجتمع المدني تمتلك مجموعة من الخصائص تحد من فاعليتها حيث تتميز ببساطة البنية التنظيمية، و تعاني التبعية للسلطة وعدم الاستقلالية.وعدم التجانس وعدم القدرة على التكيف ، بالاضافة إلى المرحلية وعدم القدرة على الاستمرارية أو البقاء.
لكن رغم ذلك فإن من الممكن الحديث عن بعض الأدوار المهمة التي لعبها المجتمع المدني في الجزائر، حيث كان لها دور فاعل في طرح مجال للنقاش حول القضايا المهمة على الساحة السياسية ومنها المناقشات التي تجري حول التعديلات الدستورية كقوة اقتراح مهمة، وهذا لهدف الوصول إلى صيغة شبه متكاملة لوثيقة الدستور الدائمة وحل القضايا الخلافية بالوسائل السليمة والسياسية وعبر النقاشات والحوار والاتفاق، كما حدث مثلا مع الوثيقة التي أصدرتها رئاسة الجمهورية المتعلقة بالحوار الوطني في ماي 1996، لتهيئة الأجواء لندوة الوفاق الوطني التي انعقدت في نادي الصنوبر في 14-15 سبتمبر 1996 والتي تضمنت مشروع التعديل للدستور ، وعرض على الفعاليات السياسية والمجتمع المدني للإثراء والمناقشة، قبل تعرض أي الاستفتاء الشعبي في 28 نوفمبر 1996 .
وفي هذا الإطار نؤكد على أن هناك نقلة نوعية في أداء منظمات المجتمع المدني رغم ما تعانيه من سيطرة فعلية وعنيفة من طرف السلطة التي تمارس عليها،حيث تأثر المجتمع المدني في الجزائر بطبيعة النظام السياسي الذي يحرص على تحديد كل الأطر والمجالات التي تتحرك فيها مختلف الفعاليات المجتمعية والسياسية، ويقول في هذا الإطار "هانسبيتر ماتيس" :أن الجزائر لا تملك أي إستراتيجية للتفاعل والتعاون بين المجتمع المدني والسلطة.
ورغم ذلك فقد لعبت منظمات المجتمع المدني دورا بناءا وإيجابيا عبر الضغط باتجاه تبني إصلاحات دستورية تأخذ بالحسبان مؤشرات عديدة تتماشى وتحقيق مستوى من التنمية السياسية وذلك بتبني مفاهيم الديمقراطية والمشاركة السياسية وحقوق الإنسان والتعددية السياسية كإطار عام يشير إلى أن دور المجتمع المدني كان هاما في إرساء قواعد الديمقراطية في الجزائر في ظل التحول الديمقراطي (فكرا وممارسة) لكن اصطدمت نشاطات تنظيماته المختلفة بواقع الممارسة السياسية وعلاقتها مع السلطة التي لم تكن ترغب في إرساء قواعد الإصلاح الدستوري الذي يأخذ بعين الاعتبار المطالب الحقيقية للبنى المؤثرة مجتمعيا والحاملة لمطالب أكثر انفتاحا وأكثر شرعية، بما يسمح بتجاوز الأزمات التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالدستور، والتي تظهر بسبب ضعف الملاءمة بين المادة الدستورية ومتطلبات الواقع السياسي ، ولا تنطوي على رؤية متكاملة للمشرع الجزائري في تشريح هذا الواقع ومتطلبات الإصلاح الشامل، فمعظم العيوب والثغرات التي جاءت بها الدساتير في الجزائر كانت بسبب عدم ضمانها لمبادئ الحقوق والحريات الأساسية ولم تكن تتسم بالدقة عند صياغتها على نحو يكفل تنفيذ نصوصها ويسد الباب أمام أية محاولة لتفسيرها على غير ما قصد إليه المشرع الجزائري.
تمثل بذلك مؤسسات المجتمع المدني أفضل السبل للدفع إلى تعزيز إصلاحات دستورية توافقية بمعنى أنها تكون نابعة من الإرادة العامة La volonté générale -على حد تعبير- J.J Rousseau على اعتبار أنها مجال وسيط بين المواطن والسلطة، تساهم بفعالية في دفع الأفراد والمجموعات إلى المشاركة الواعية ودفع النظام السياسي إلى فتح السجل (القانونية السياسية) الكفيلة بالتمكين للمبادئ التي من شأنها ترسيخ مقومات الإصلاح الدستوري خصوصا والتنمية السياسية على وجه أعم وأشمل.
كما تجدر الإشارة إلى عدم إمكانية الحديث عن دور للمجتمع المدني دون الحديث عن تطوير بنى الدولة ووسائل وآليات عملها ، وذلك من منطلق العلاقة الترابطية التي تجمع الدولة والمجتمع، بمعنى أن عملية تفعيل المجتمع المدني في الوقت ذاته تتضمن عملية بناء الدولة، أي ضرورة أن تأخذ علاقة المجتمع المدني بالدولة معان جديدة تقوم على تعظيم البعد السياسي الإرادي والطوعي على صعيد الممارسة السياسية ، حتى تتوسع دائرة المحيط الذي يمكن أن تتشكل في إطاره عملية الإصلاح الدستوري ومعالمه ، وبذلك تكون للمجتمع المدني الأهلية الشاملة في القيام بأدواره مهمة في هذا الإطار حيث يتمكن من المشاركة الفعالة في ذلك.

ثالثا: المجتمع المدني وآليات تفعيل أدواره في الإصلاح الدستوري:
كما سبق الإشارة إليه فإن موضوع المجتمع المدني في الجزائر يثير العديد من القضايا والتساؤلات على صعيد المجتمع، كما يثير أيضا العديد من المشكلات على صعيد الدولة(السلطة الحاكمة) وأجهزتها وقوانينها وسياستها فطبيعة الحركة وحدودها أمام المجتمع المدني تتحدد ملامحها من خلال تحديد أنماط العلاقة بين الدولة من جهة، والمؤسسات الاجتماعية من جهة أخرى.
يراد للمجتمع المدني أن يقوم بوظائف أساسية ذات مضامين ديمقراطية من خلال الحد من سلطة الدولة و التعسف في استعمالها وتعزيز المشاركة السياسية الإيجابية في المساهمة في الإصلاح الدستوري الذي يتماشى ومتطلبات التنمية والإصلاح السياسي.
وبالتالي فإن تفعيل وتنشيط دور المجتمع المدني يدفعنا إلى محاولة فهم وتفسير العلاقة بينه وبين السلطة، هذه العلاقة تجسد مستوى القدرة ومستوى الفاعلية وحدود الاستقلالية، وهذا ما لم نعرفه في التجربة الجزائرية التي لخصها ألفرد ستيفان Alfred steven في كتابه (الدولة والمجتمع) بما أسماه"بإدماجية الدولة State corporatism بدلا من "الإدماجية المجتمعية" Social corporatism حيث في الأولى يظهر تحكم الدولة في المؤسسات والهيئات من خلال القوانين والإجراءات السلطوية.
يمكن الإشارة إلى بعض مظاهر عدم فاعلية المجتمع المدني في إقرار التعديل الدستوري من خلال مشكلة العلاقة بين المجتمع المدني والسلطة التي تعتبر من العوامل التي تحد من تلك الفاعلية، أما بالنسبة لنمط الإصلاحات الدستورية عموما فإنها ترتبط أساسا بطبيعة السلطة القائمة وأساسها الاجتماعي، وبطبيعة القوى المسيطرة على جهاز الدولة، فالتجارب التي إتخذها النظام السياسي الجزائري فيما يخص مضامين التعديلات الدستورية لم تعكس في الحقيقة إلا طبيعة التحالفات السياسية التي فرضت سيطرتها على مضمون تلك التعديلات وبالتالي لم تؤدي إلى معالجة الأزمات المختلفة(كأزمة التوزيع وأزمة الشرعية، وأزمة الهوية).
يراد للمجتمع المدني أن يقوم بوظائف أساسية ذات مضامين ديمقراطية في التعديلات الدستورية كقوة اقتراح فاعلة ومهمة، تتمتع بمستوى من الفاعلية تمكنه من اكتساب الأهلية الكاملة في رفد عمليات الإصلاح وتوجيهها بما يخدم المسارات العامة للتنمية السياسية و من بين أهم الأليات التي تضمن مساهمة فعالة للمجتمع المدني في الإصلاحات الدستورية ما يلي:
1-تفعيل التعددية:
تعتبر التعددية من الآليات المهمة الواجب توافرها في الدول التي تسعى إلى تجاوز تخلفها الدستوري، فتفعيل التعددية يسمح لمنظمات المجتمع المدني من تحمل مسؤوليتها في الإصلاح السياسي والاجتماعي، فعندما تتوفر القاعدة التعددية في الممارسة فهذا يسمح بالتحديث والمأسسة وفتح باب العقلنة Rationalisation ونسج علاقات جديدة في الدولة الحديثة، وزيادة الوعي والاهتمام الفردي بالمسائل العامة وتعزيز فرص المشاركة، وإنتاج ثقافة ديمقراطية قائمة على الحقوق الأساسية للفرد المواطن وعلى نشرها وبالتالي المساهمة في التغيير في السلوكيات السياسية العامة باتجاه الحكم الصالح.
2-تفعيل الاتصال:
يلعب نظام الاتصال دورا مهما في العمليات السياسية إذ لا يمكن تصور أي من الإصلاحات الدستورية دون عملية اتصالية تسمح بفهم العمليات السياسية ومتطلباتها بقدر كبير من الرشد والعقلانية وبلورة المطالب والأهداف وتعزيز المعرفة بالقضايا العامة كما تساعد العملية الاتصالية(أفقيا وعموديا) في تجنب احتمالات الخطأ في صياغة الإطار القانوني الصحيح المنظم للعلاقات داخل المجتمع.
3-تفعيل المؤسسية Institutionalisation :
نظرا للارتباط الوثيق بين المؤسسة التي تعنى من أحد أهم جوانبها كما يقول Huntington تحقيق سيادة القانون على جميع أعضاء المجتمع وإقامة نظم للتشريع والقضاء والحكم تقوم على أساس قواعد عامة لا شخصية تكفل الكفاءة والإنجاز وتوفر إمكانية الاستمرار والبقاء وكذلك النمو والتطور، كما يسمح ببناء القدرة السياسية وتجسيدها في شكل واقعي يستقل عن الأشخاص المكونين لها.
إن المدخل التشريعي وحده-حسب Huntington –رغم كونه لازما وأساسيا، فهو غير كافي لمواجهة المشاكل الاجتماعية المعقدة، ما لم تسنده منظومة كاملة وفاعلة من الأجهزة والمؤسسات ويستند إلى قاعدة اجتماعية مهيأة للقبول بالنظام، ذلك أن الإصلاح السياسي عموما والإصلاح الدستوري خصوصا يتضمن إقامة هذا المؤشر والتأسيس له في الواقع.
بالإضافة إلى وجود آليات كثيرة لا تقل أهمية عما تم ذكره في تفعيل أداء منظمات المجتمع المدني في طرح مجال النقاش حول القضايا المهمة على الساحة السياسية ومنها المناقشات التي تجري حول التعديلات الدستورية.
خاتمـة :
في الأخير يمكن القول بأن المجتمع المدني في الجزائر يبقى له دور مهم في تفعيل التعديلات الدستورية والتأسيس لإطار قانوني يتسم بالجودة والعقلانية ، تكفل فيه كافة الحقوق والحريات الأساسية، ويتضمن أيضا الأسس والمبادئ الرئيسية اللازمة لقيام الحكم الصالح الذي يمكن من خلاله إقامة مؤسسات وهياكل ضرورية لهندسة البناء الشامل وإقامة نظام أكثر مشاركة وديمقراطية.

algerianlawyer
عضو نشط
عضو نشط

عدد المساهمات : 195
تاريخ التسجيل : 10/10/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى