منتديات القانون الجزائري

النقائص المتعلقة بالمراجعة الدستورية في الجزائر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

النقائص المتعلقة بالمراجعة الدستورية في الجزائر

مُساهمة  algerianlawyer في السبت أكتوبر 10, 2009 2:52 pm

كلية الحقوق و العلوم الإدارية- الأغواط-


الملتقى الدولي المقرر إجراؤه أيام
5 و 6 و 7 ماي 2008

حول موضوع:

التعديل الدستوري

مداخلة الأستاذ الدكتور: رابحــــي أحـــسن
(أستاذ القانون الدستوري بكلية الحقوق-جامعة محمد بوقرة بومرداس)


موضوع المداخلة: النقائص المتعلقة بالمراجعة الدستورية في الجزائر
(مرجعية تضخم الوثائق الدستورية الجزائرية)


المقدمة
كل عمل بشري يفتقد للدقة المتناهية والكمال المعصوم، ومن ثم فإنه يتسم بالضعف والنسبية مما يجعله عرضة للنمو والتطور بشكل مستمر، ومرجع هذا الضعف إرادة الإنسان التي تقف وراء كل ذلك، والتي تكيف بكونها "مصدر ناقص".
الدستور – وعلى غرار إجتهادات عقول البشرية بشكل عام– "يفتقر" للكمال والديمومة والاستقرار، مع أن الأسباب المباشرة التي تؤثر في كل ذلك، تبقى متباينة من حيث المصدر، ومن حيث التكييف القانوني الذي يعطى لها من الناحية النظرية.
لكن المشكل المطروح لا يتعلق بعملية المراجعة الدستورية ذاتها بقدر ما يتعلق بتحديد الأسباب الموضوعية التي أدت إلى تعدد حالات الإحالة إلى هذه العملية و التي نتج عنها في الاخير تضخم الوثائق الدستورية الجزائرية و هذا الإنتاج الهائل للدساتير قد أثر بطريقة غير مباشرة على مصداقية قواعدها و على سموها و كذا قوة تأثيرها في النظام القانوني العام للدولة.
في هذا المضمار نشير بأن بلادنا قد تبنت عدد ضخم من الوثائق الأساسية خلال حقبة زمنية وجيزة جدا، فقد كان لنا –مباشرة بعد الإستقلال- دستور 1963 الذي لم تتجاوز فترة حياته 23 يوما، قبل أن يتم تجميد العمل به بسبب النزاع الحدودي مع المغرب كسبب رئيسي بتاريخ 03 أكتوبر 1963، وفي الأخير، فقد تم إنهاءه بطريق غير طبيعي بواسطة الإنقلاب العسكري الذي قاده الراحل"هواري بومدين" بتاريخ 19 جوان 1965.
بعدها فقد تم تبني دستور 1976، الذي تم مراجعته ثلاث مرات على التوالي في 1979، 1980 و 1988(1)، قبل أن يتم إنهاءه وتعويضه بدستور جديد عام 1989، هذا الأخير –هو الآخر- لم تمر عليه فترة طويلة حتى تم توقيف العمل به في بداية التسعينات بسبب الأزمة السياسية والدستورية التي آلت إليها البلاد قبل أن يتم مراجعته بتاريخ 28 نوفمبر 1996.

وهذه الظاهرة منتشرة كذلك في عدد كثير من الدول النامية، أما بالنسبة للمجتمعات التي أضحت تمثل "معبدا للديمقراطية" أو بالأحرى الدول المتقدمة، فإن دساتيرها لا تعرف هذه الديناميكية والحركية، فبالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية أقوى دولة على الإطلاق، ما زالت تحتفظ بأول دستور لها أي دستور 1787 حتى اليوم، وكذلك الحال بالنسبة لفرنسا التي لا زالت تتبنى دستور 1958 "الديغولي" مثلا .

وابتداء من هذه المقارنة النظرية، يمكننا أن نستنتج –مبدئيا- بأن "الإنتاج" الوافر للدساتير، لا يمثل سمة من سمات التطور والتقدم، وهذه النتيجة الأولية تقودنا إلى طرح تساؤلات عميقة وجوهرية، حول الأسباب الحقيقية التي هددت ولا زالت تهدد إستقرار المعيار الأساسي في بلادنا .


هذه الأسباب التي يمكن تلخيصها في العناصر التالية:
النقائص السياسية المتعلقة بالمراجعة الدستورية
النقائص الموضوعية المتعلقة بالمراجعة الدستورية







المبحث الأول – النقائص السياسية المتعلقة بالمراجعة الدستورية
و قد فضلنا تسميتها بهذا الإسم لأنها تجد مصدرها من الإطار السياسي العام حيث نلاحظ بان الوثائق الدستورية الجزائرية قد اتسمت بحركية واسعة و ذلك مرده لمحاولة المنظرين السياسين تعديلها بشكل متكرر من اجل مسايرة المعطيات السياسية لكل فترة زمنية على حدى، و تشمل هذه النقائص قاعدة شخصنة الدساتير و كذا قاعدة ملازمة الدستور للتطورات المحيطة بالحزب الحاكم في ظل الأحادية الحزبية.

المطلب الأول- شخصنة الدساتيرLa personnalisation de la constitution
وتمثل هذه الظاهرة أخطر إصابة للدستور، لأنها تصيب استقراره وديمومته، ومن ثم سموه وعلوه كمعيار أساسي.
هذه العبارة – في الحقيقة- هي حديثة المنشأ بالنسبة لعلم القانون الدستوري، إذ نظن أنها قد استعملت لأول مرة من طرف الفقهاء الفرنسيين بمناسبة تعليقهم على دستور 1958، وهي تدل بأن الدستور – في المجتمعات التي تتفوق فيها السلطة التنفيذية عن سائر السلطات الأخرى-هو تعبير صادق عن أفكار ومناهج وسمات رئيس الدولة الذي يقف وراء عملية المراجعة الدستورية.
ذلك أن هذا الأخير -باعتباره أعلى سلطة في الدولة وصاحب المبادرة بالتعديل- فإنه يصبوا إلى صياغة وثيقة أساسية تكون على "مقاصه"، بمعنى أنها تستجيب لخصائله وتكوينه السياسي من جهة، وكذا أفكاره وطموحاته وأهدافه من جهة أخرى.
وهكذا، فحتى وإن كان المشروع من صنع هيئات أخرى، فمع ذلك تظهر عليه "بصمات" الرئيس واضحة، بسبب السلطة الفعلية والقانونية التي يمارسها على سائر الأجهزة الأخرى.
فبالرجوع إلى المادة 05 من دستور 1958 الفرنسي، فقد نصت ما يلي: " يسهر رئيس الجمهورية على احترام الدستور، وهو يضمن –باعتباره حكما- السير المنتظم للسلطات العامة وإستمرار بقاء الدولة.
وهو يضمن الإستقلال الوطني، وحدة الإقليم واحترام الإتفاقيات".
فالقاعدة أن الدساتير تمنح مركزا مرموقا للرئيس ليس إلاّ لكونه موظفا ساميا، يسهر على احترام الدستور وضمان تطبيق القوانين.
على خلاف دستور 1958 الفرنسي، الذي ذهب إلى أبعد من ذلك بإضفائه "هالة معنوية" على منصب الرئاسة، وهي هالة فرضتها الشخصية الملهمة للجنرال "ديغول"، الذي كان قائدا للجيش قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية، وهو الذي كان وراء عملية التعديل الدستوري.
لكن ما يثير الإهتمام، هو إضافة مصطلح حكم "Arbitre" ضمن الصياغة السابقة، وحسب تقدير الدكتور "إبراهيم أبو خزام"، فإن هذا الإصطلاح قد يفيد معنيين متضاربين:
المعنى السلبي: وهو يشير إلى بعض السلبية، فالحكم هو جزء من لعبة لا تتكامل ولا تصح إلاّ بوجوده لكنه أقل فاعلية من أطراف اللعبة نفسها.
وهذا المعنى ينسجم مع وضع الرئيس الفرنسي خلال الجمهوريتين الثالثة والرابعة، حيث كان مجرد شاهد على مسرح الصراع، لا يملك تقدير الأمور ولا توجيهها، فهو مجرد شخصية مهمشة بدون أية وسائل سلطوية.
المعنى الإيجابي: ويعني السمو على أطراف اللعبة بعدم الانغماس في صراع المؤسسات، بحيث يصبح الرئيس ضمانة لعدم الانقلاب، ومرجعا أخيرا لحسم هذه الصراعات().
وهذا المعنى، ينسجم مع شخصية "الجنرال ديغول" الذي توخى إعلاء منصب الرئاسة عن صراعات المؤسسات والأحزاب وحساسيتها، بحيث أنه في هذه اللحظة الحاسمة، يستطيع الرئيس بتصرفه الوحداني أن يوقف هذه اللعبة.
إن ما يؤكد هذا المعنى هو الصلاحيات ذات الطابع السيادي البحث الممنوحة للرئيس في المادة الخامسة نفسها، وكذلك الصلاحيات الدستورية القوية والواسعة الممنوحة له بمقتضى مواد كثيرة في الدستور.
وفي الأخير، نقول أن هذا الدستور قد صمم على مقاص "الجنرال ديغول"، حيث تبدوا "بصمات" هذا الأخير واضحة على الوثيقة، خاصة ما تعلق منها بالسيادة والسلطة، بالقيادة والنفوذ.
وبنفس الطريقة، سارت الأمور بالنسبة للرئيس المصري الراحل "محمد أنور السادات"، الذي خلف الرئيس السابق "جمال عبد الناصر" بعد وفاته بتاريخ 28 سبتمبر 1970، والذي سارع إلى وضع دستور جديد للبلاد في أقل من سنة من وصوله إلى الرئاسة وهو دستور 11 سبتمبر 1971، هذه الوثيقة التي أظهرت بجلاء ملامح الرئيس الجديد وسماته.
هذه الظاهرة قد حظيت بصدا واسعا في الوقت الحاضر من قبل صنف كبير من الدساتير المعاصرة، لاسيما تلك المتعلقة بالدول النامية، حيث نجد في كل مرة رجل قوي ذو "طبيعة إستثنائية" يأخذ النظام بقبضة واحدة، ثم يرتبه على مزاجه وسماته، قبل أن يوجهه بإرادته المنفردة نحو الأهداف التي يراها ملائمة أو بالأحرى الأهداف التي تضمن له مستقبله السياسي.
النظام الجزائري لم يفلت – هو الآخر- من هذا التطبيق، حيث نلاحظ بأنه في كل مرة نرحب برئيس جديد إلا وفاجئنا بنظام جديد وتصور جديد للدولة والمؤسسات، باختصار فقد تعودنا على إستقبال الرئيس الجديد مصحوبا "بدستوره" الجديد.
فبالنسبة لدستور 1963 فإنه يمثل عبقرية الرئيس السابق "أحمد بن بلة"، الذي كان يسعى - في آن واحد- لبناء دولة قوية في أسرع وقت، وتضييق الخناق على خصومه سواء التابعين لجيش الداخل أو للحكومة المؤقتة.
وخير دليل على ذلك، تقرير حقه في التشريع بالأوامر بمقتضى هذا الدستور، هذا الإختصاص الذي سمح له -فيما بعد- بإحداث تغيرات عميقة على النظام والمؤسسات، لاسيما بإحداث "مليشيا" جيش تابعة لرئاسة الجمهورية، تخوفا من الراحل "هواري بومدين" الذي كان وزيرا للدفاع حينها، ولكنه الخصم الحقيقي بالنسبة للرئيس.
أما دستور 1976 فقد صمم –تماما- على مقاص الرئيس الراحل
"هواري بومدين"، الذي كانت تجمع فيه صفات الزعامة، القيادة، القوة، الإنضباط، وحب الوطن.
وذلك يظهر جليا من خلال عدة مواد مبعثرة في الدستور، لاسيما كونه يمثل الدولة داخل البلاد وخارجها، يجسد وحدة القيادة السياسية للحزب والدولة، يحمي الدستور، يتولى القيادة العليا لجميع القوات المسلحة، يتولى مسؤولية الدفاع الوطني...إلخ.
وذلك يناسب تماما الشخصية الملهمة والتاريخية للرئيس، الذي كان يصبوا لتركيز سلطته الشخصية من أجل "تحصين" النظام وتقوية الدولة، على طريقة الزعماء التاريخين الكبار مثل "ستالين" و"موسوليني".

أما بالنسبة لدستور 1989 فإنه قد ارتبط كذلك بإسم الرئيس "الشاذلي بن جديد" الذي –بخلاف الرؤوساء السابقين- لم يكن يصبوا للسيطرة على النظام بمفرده أو تركيز سلطته الشخصية، بل كان يحاول – من خلال هذا الدستور- تبني أسمى المبادئ الديمقراطية من باب الإرتجال ومحاولة إسترضاء عاطفة الشعب، من أجل "إخماد" الضغط القاعدي الذي بدأت بوادره تتضح بالنسبة للسلطة ابتداءا من مظاهرات05 أكتوبر 1988.

حتى بالنسبة لدستور 1996 الذي وضع بمبادرة من الرئيس "اليمين زروال" يبدوا أنه لا يستجيب لأفكار وتوجهات الرئيس الحالي السيد "عبد العزيز بوتفليقة" الذي ذكر في عدة مناسبات بأنه "لا يحب" الدستور الحالي، ولكنه سيعمل مع المؤسسات الموجودة والدستور الموجود، وفي ذلك تلميح واضح لرغبته في مراجعة هذه الوثيقة

وفي النهاية، نستنتج بأنه في الدول المعاصرة فقد أصبحت الدساتير خاضعة لإرادة بعض الرجال الذين "يصنعونها"، يحدث ذلك عندما نكون أمام شخصية سياسية إستثنائية تتمتع "بشرعية تاريخية"، هذه الشخصية –ومباشرة بعد وصولها إلى السلطة- فإنها تحتكر باقي الرجال والمؤسسات، في هذه الحالة يفقد الدستور جزء كبير من معناه التأسيسي، كما يفقد طابعه التوجيهي بصفته الوثيقة الأساسية لتنظيم نشاط السلطات العامة، طالما أن أحكامه ما زالت خاضعة لإرادة الرئيس وحده.

وفي جميع الحالات، فإن الرئيس يملك – في أي وقت- حق تعديل المعيار الأساسي أو تجميده أو إلغاءه أو تعويضه بمعيار تنظيمي آخر دون وجود ما يناقض هذا الاختصاص أو "يعكر صفوه".

المطلب الثاني – النقائص الدستورية المتعلقة بنظام الحزب الواحد
ففي الدولة النامية – خاصة منها تلك التي تأخذ بنظام الحزب الواحد – فإن الدستور ليس سوى طريقة لنشر إديولوجية الحزب الواحد، وفي سياق هذا المفهوم فإن المعيار الأساسي سوف يكون له طابع توجيهي أكثر منه تأطيري، فيمثل – في الأخير– مجرد وسيلة تقنية للدفاع وحماية مصالح الحزب وضمان مستقبلة السياسي.

فمباشرة بعد الاستقلال، رأى قادة الثورة بضرورة تخويل السلطة السياسية للحزب الذي اعتبر نفسه الوريث الوحيد والطبيعي لجبهة التحرير الوطني (التاريخية) التي حررت البلاد عسكريا، فبقي لها أن تحرره سياسيا واقتصاديا وثقافيا.

وهذا ما جاء في نص المادة 25 من دستور 1963 على حد تعبيرها: " جبهة التحرير الوطني تعكس المطامح العميقة للجماهير، تهذب هذه وتكون رائدها في تحقيق مطامحها".

وفي هذا السياق أيضا ذهب دستور 1976 الذي تبنى –هو الآخر- نظام وحدة السلطة وتعدد الوظائف، بمعنى أنه يوجد سلطة واحدة في الدولة هي سلطة الحزب الواحد، أما الأقطاب التنفيذية والتشريعية والقضائية فإنها لا تمثل سلطات بل مجرد وظائف تابعة لصاحب السلطة الوحيد أي جبهة التحرير الوطني، وهنا – وعلى خلاف دستور 1963 – نلاحظ " تضخم" المواد الدستورية الموجهة لتأكيد وترسيخ هذا الطرح، حيث خول الفصل الأول من الباب الثاني من الدستور –أصلا- من أجل توضيح هذه المفاهيم.

وحتى بعد وفاة الرئيس "هواري بومدين" وجه مجلس الثورة نداء للشعب، أعلن فيه على الخصوص مايلي:" لقد مات بومدين، وهو مصمم على أن الثورة بقيادة حزب جبهة التحرير الوطني ستواصل مصيرتها في نفس النهج الذي رسمه لها"، وكان ذلك مناسبة لتأكيد مكانة الحزب كردا للانتقادات والتناقضات التي كانت تواجهه منذ مطلع حركة الانقلاب- وبقي الوضع كذلك إلى غاية انعقاد المؤتمر الرابع لحزب جبهة التحرير الوطني في مطلع سنة 1989.

خلال المؤتمر أكد الرئيس "الشاذلي بن جديد" بأن الإصلاحات التي يستهدفها هي ذات طبيعة تنظيمية وليست إديولوجية، من أجل " تكريس الديمقراطية داخل هياكل حزب جبهة التحرير الوطني"، ومع ذلك فإن هذا السبب غير كاف لوحده من أجل إحداث الطلاق بين " الحزب والدولة" بمقتضى دستور 1989، لولا أن الأمـر يتعلـق – في الحقيقة – ببلوغ أزمة الدولة إلى ذروتها على كافة الأصعدة، وفي المواجهة تحرك الشعب بشكل عنيف ضد النظام بمقتضى أحداث 05 أكتوبر 1988 القوية.

وفي جميع هذه المراحل السابقة، كان الحزب الواحد هو الحاكم الوحيد للدولة طالما أن المبادرة بتعديل الدستور كان يحتكرها بمفرده عن طريق أمينه العام أي رئيس الجمهورية، وكان الأمر كذلك حتى بالنسبة لدستور 1989.

وهكذا فإن الوثيقة الأساسية – وتحت تأثير هذه المعطيات – فإنها تفقد جزء من طبيعتها النظامية، وتتحول إلى مجرد أداة تقنية لنشر برامج الحزب، وعليه نستخلص -في النهاية – بأن " تضخم" النصوص الدستورية في الجزائر كان نتيجة طبيعية في دولة تبنت لوقت طويل نظام الحزب الواحد، فالحركية السريعة التي تميز بها الحزب كانت تؤثر سلبا على استقرار المعيار الدستوري، لأنها كانت تفرض عليه مسايرة التطورات الحاصلة على مستوى الحزب والدولة، ما دام الدستور – في الأخير – ما هو إلا وثيقة يستعملها الحزب لإضفاء القوة الإلزامية الدستورية على برامجه السياسية، وهذه النتيجة الأخيرة تمثل أخطر إصابة يمكن أن يتعرض لها الدستور في الوقت الحاضر.




المبحث الثاني- النقائص الموضوعية المتعلقة بالمراجعة الدستورية
إلى جانب النقائص السياسية السابق ذكرها فإن الظروف الموضوعية المحيطة بالدساتير كان لها الأثر البالغ في تضخم إنتاج هذه الوثائق في بلادنا، و هذا التدهور يمكن إرجاعه إلى معركة البحث عن النموذج الدستوري الجزائري المفقود، و كذا جهل و تجاهل الحقائق السوسيولوجية للمجتمع عند إعداد الدستور، و أخيرا النقائص ذات الطبيعة التقنية.

المطلب الأول- معركة البحث عن النموذج الدستوري الجزائري "المفقود"
لما نعطي عدة حلول متباينة لنفس المشكل فذلك يمثل دلالة قاطعة على عدم نجاعة هذه الحلول بدليل عدم نجاحها، وهذه النتيجة تقودنا للقول بأن تذبذب هذه الحلول يرجع أصلا للفهم الخاطئ للمشكلة المبدئية، وهذا ما يجعل الحلول التي نستحدثها لا تؤدي الغرض منها، لأنها لا تصيب العناصر التي وجدت من أجل مواجهتها.
إن هذا الطرح، قد أخذ كل أبعاده النظرية والقانونية بالنسبة للنظام الجزائري منذ الإستقلال، وقد عبر فخامة رئيس الجمهورية السيد "عبـد العزيــز بوتفليقــة"
–بصدق- عن عمق وخطورة هذه الأزمة بقوله " إن مشاكل البلاد هي أصعب بكثير مما كنت أتصور، ربما كنت متفائلا إلى حد ما"(1)، وهكذا فإن دساتير الجمهورية قد عرفت "تضخما" واضحا، كنتيجة للحركية الكبيرة التي تميزت بها الأجواء السياسية المحيطة بالنظام منذ الإستقلال، والتي كانت وراء "الإصلاحات الدستورية المتعاقبة".
ومن ثم يمكننا رسم المسار التاريخي والإيديولوجي لهذه الدساتير على النحو التالي:
حيث إنتقلت الجزائر من دولة حزب الطليعة إلى دولة الميثاق الوطني، ثم إلى دولة المؤسسات الدستورية السيدة، وعلى مستوى النظام السياسي، فقد إنتقلنا من نظام وحدة السلطة وتعدد الوظائف -ولكن بنوع من الغموض والتحفظ- إلى تكريس ذات النظام بشكل أساسي واضح ونهائي، ثم تبني نظام شبه رئاسي "يتأرجح بين المد والجزر"، بين النظامين الرئاسي والبرلماني، وأخيرا تكريس ذات النظام مع تدعيم مكانة وسلطات رئيس الجمهورية بشكل واسع. وحتى بالنسبة للمرجعية التاريخية، فإنها كانت تختلف من دستور إلى آخر.
ومن هنا يظهر التباين الواضح في الحلول والمناهج والرؤى السياسية والإيديولوجية المحيطة بالدولة منذ الإستقلال، بالرغم من أن المشكل المبدئي كان واحد منذ البداية، ويتعلق بكيفية بناء "الدولة الفتية" على أساس الديمقراطية، العصرنة والحداثة.

إن الصعوبات التي واجهت الطبقة السياسية في مطلع الإستقلال، حول النموذج الذي يتلاءم مع طبيعة وسمة المجتمع الجزائري، ما زالت قائمة حتى اليوم ولكن بدرجة أقل حدة.

وأمام هذا التضخم، لا يسعنا إلاّ أن نقول – كما ذكر الأستاذ "بيار فرانسو قونيدك" Gonidec (P.F) :" إن التغييرات الدائمة في الدستور تعكس الصعوبات التي يواجهها الحكام في إيجاد الحلول المقبولة لمشاكل الحكم"().

ومن جهة أخرى، فإن تضخم النصوص الأساسية في ظرف وجيز جدا، يكشف عن حيرة المنظرين السياسيين في إيجاد النموذج التأسيسي النهائي للدولة، وذلك ما عبر عنه الأستاذ "جيرار كوناك" Gerard Conac على حد تعبيره: "بالرغم من الإستقرار الدائم، فإن التحولات والمراجعات الدستورية تعكس رغبة البحث عن هياكل وإجراءات أكثر ملائمة للحقائق السوسيولوجية والثقافية لكل دولة"().





المطلب الثاني- جهل وتجاهل الخصائص السوسيولوجية للمجتمع عند إعداد الدستور
وعليه، فإن كل دولة تملك – بصفة مكتوبة أو عرفية- قانونا دستوريا متميزا، يناسب تماما موقعها وخصائصها وسمات شعبها، وتاريخها وحاضرها وآلامها وأمالها...إلخ، وعليه، فإن هذه القواعد موجودة بصفة دائمة في المجتمع لأنها لصيقة به، حتى وإن كانت في وقت مضى مجرد أعراف أو تقاليد.
ومن ثم فإن نجاح أية وثيقة دستورية، مرهون بتقدير درجة التطابق بين القواعد التي يستحدثها المؤسس الدستوري وكذا القانون الدستوري للدولة، أو بالأحرى مدى تطابق الدستور السياسي للدولة بالدستور الإجتماعي، هذا الأخير الذي يعتبره بعض الفقهاء بأنه يمثل دستور مطلق Constitution absolue،ولهذا لا يمكن التخلي عنه أوتعديله أو تجاهله.
وبالعكس، إذا كان الدستور مجرد وثيقة من إجتهاد المؤسس الدستوري أو بالأحرى من "ابتداع" المنظرين السياسيين بعيدا عن بيئة وسمة المجتمع، فإن هذه الوثيقة لن يكتب لها النجاح أبدا، ومع مرور الزمن ستبرز مظاهر الإصطدام بين الحلول "المفتعلة" والمشاكل الحقيقية للمجتمع.
فالدستور هو نص لواقع معين، ولكن الدستور الأمريكي الموضوع بتاريخ 1787 تحت تأثير ظروف معينة، مازال معمولا به حتى اليوم، ولم يدخل عليه سوى حوالي 25 تعديلا فقط، غير أن الواقع الذي كان محيطا به آنذاك غير واقع الولايات المتحدة الأمريكية التي تتصدر العالم اليوم، ومع ذلك فإن هذا الدستور مازال قائما حتى اليوم.
كذلك الحال بالنسبة للدستور الفرنسي لسنة 1958 الذي وضع في ظروف معينة- لا سيما حرب الجزائر، ووصول الجنرال "ديجول" للحكم- فقد أدخلت عليه عدة تعديلات من حيث المسائل الفرعية ولكن جوهر الجمهورية الخامسة لا يزال قائما في دستور فرنسا المعمول به اليوم.
على خلاف الدساتير الجزائرية التي أظهرت تباينا وتضاربا واضحا للحلول المنتهجة في ظرف وجيز جدا، رغم أن جلها كانت موجهة لمشكلة واحدة هي مشكلة بناء الدولة، وهذا دليل صريح على ضعف وتذبذب الدساتير الجزائرية بسبب التسرع في إعدادها وصياغتها.
علاوة على ذلك، فإن الجزائر كانت تحاول بشكل متردد ومتكرر إيجاد الحلول الدستورية الملائمة للدولة بأسرع وقت ممكن، وفي سبيل ذلك "انتحلت" بعض خصائص الأنظمة السياسية الكلاسيكية لا سيما النظام الفرنسي الحالي.
ولكن المشكل المطروح أن بيئة وسمة المجتمع الجزائري تختلف عن نظيرتها بالنسبة للمجتمع الفرنسي، فكيف نطبق نفس القواعد على مجتمعين مختلفين تماما من حيث عدة نواحي لا سيما العادات، التقاليد، الدين ...الخ؟
وهذه المشكلة ليست حكرا على النظام الجزائري فحسب، بل أنها أصبحت تمثل قاعدة عامة في الوقت الحاضر، فبالنسبة لدول أمريكا الجنوبية فنلاحظ بأنها قد تأثرت بالنظام الرئاسي الأمريكي، وكانت تعتقد بأن تبني ذات النظام سيؤدي إلى ازدهار الدولة، وبالعكس فإن هذه المحاولة قد فشلت في هذه الدول مثل سيرلانكا وقواتيمالا وفنزويلا...الخ، وأدت إلى قيام أنظمة دكتاتورية نظرا لخطورة خصائص النظام الرئاسي، رغم أن ذات النظام قد جعل من الولايات المتحدة الأمريكية أقوى دولة على الإطلاق.
ومن جهة أخرى، فإن الأنظمة الملكية- بشكل عام- هي منتقدة لأنها تحول بين شعوبها والديمقراطية،ولكن النظام الملكي البريطاني يمثل الاستثناء بالنسبة للقاعدة ويرجع الفقهاء نجاح هذا النظام أصلا إلى مزاج الرجل الانجليزي ذاته، رغم أن ذات النظام قد أدى إلى قيام أنظمة دكتاتورية في دول أخرى.
وعليه نستخلص بأن تقليد أنظمة الدول الكبيرة بدون وجه تطابق ، لا يمثل سببا كافيا لبلوغ التطور والاستقرار اللتين حققتهما، إن المسألة –بالعكس- تستدعي منا بذل مجهودات أكبر للبحث عن الحلول الدستورية الحقيقية ضمن المنظومة الاجتماعية أو بالأحرى الدستور الاجتماعي المشخص في العادات والأعراف، التي تمثل – في النهاية – عبقرية الشعب وشخصيته المتميزة والمنفردة، وهذا الاستخلاص قد أصبح – اليوم – قارا وواضحا بالنسبة لصنف كبير من الفقه.
هذه المعضلة نرجعها -بشكل أساسي- إلى نقص المعرفة الدقيقة لمشاكل الشعب وهي تمثل –في الواقع- أحد أسباب ضعف الدستور والدولة معا، فالتسرع في إعداد مشروع الدستور تكون له انعكاسات ضارة على استقراره وديمومته من جهة، وكذا سير واستقرار مؤسسات الدولة من جهة أخرى، وخير دليل على ذلك دستور 1989 الذي تم إعداده في ظرف وجيز جدا أي خلال حوالي 21 يوم، وبالمقابل لاحظنا الثغرات الكبيرة التي كان يحملها، وكذا الأزمة الحادة التي نتجت عن كل هذه الفراغات والنقائص، وعليه فإن الدستور هو -أولا وقبل كل شيء- معاينة سياسية لواقع معين، ومن ثم فإننا نظن بأن الدساتير الجزائرية تنقصها بعض "العقلانية والواقعية".
في الأخير، لا يسعنا إلا أن نقول بأنه عندما نبدأ بإرساء أي نظام سياسي، علينا قبل كل شيء تحديد ملامح هذا النظام وأسلوب عمله، وما هي سياسته الداخلية والخارجية، ومعرفة مدى تفاعله مع بيئته واستجابته للمتغيرات التي تحدث في ذلك البيئة، ومدى تأثر النظام نفسه بتلك المتغيرات.
المطلب الثالث – النقائص الدستورية ذات الطبيعة التقنية
علاوة على عناصر الضعف السابق ذكرها – التي تلتقي عند نقطة الإطار الموضوعي للدساتير – هناك عنصرا أخر قد ساهم بدوره في تذبذب الدساتير الجزائرية وعدم قدرتها على المحافظة على استقرارها وديمومتها، وهذه المسألة الأخيرة هي ذات طبيعة تقنية محضة، لأنها تتعلق بطريقة صياغة الدساتير ذاتها.
حيث يرى جانبا من الفقه بأن طول " أعمار" دساتير الدول القوية يرجع إلى مرونتها الموضوعية بشكل واسع، ذلك أن المؤسس الدستوري يحدد المسائل الأساسية بصفة عامة جدا أما تفصيلاتها فهي متروكة للمبادرة التشريعية، وهذا ما يجعل هذه الدساتير قابلة لمسايرة تطورات الحياة العملية بشكل مستمر.
على خلاف الدساتير الجزائرية التي نلاحظ من خلالها، محاولة المؤسس الدستوري الإلمام بجميع المسائل الأساسية والتفصيلية معا، من أجل ضمان أكبر سيطرة وأكبر تأطير لنشاط الدولة والمؤسسات الدستورية، ولكن في المقابل فإن الدقة المفرطة في تحديد التفصيلات الجزئية ضمن الوثيقة الأساسية هو الذي يؤدي إلى جمودها لعدم قدرها على مواكبة التطورات الحاصلة في الدولة والمجتمع على الصعيد المستقبلي، وهذا ما يؤدي -في الأخير- إلى إلغاء هذه الدساتير أو تعديلها كلما تبين تغير وتبدل هذه المسائل التفصيلية، وهذه النتيجة الخطيرة من شأنها الإنقاص من قيمة الدساتير، لأنها تصيبها في أحد خصائصها الرئيسية ألا وهو عنصر الديمومة أو الاستقرار، في ظل هذه المعطيات فإن الدستور لا يمثل – في الأخير – سوى معيار أسمى "احتمالي ".
الخاتمة:

لكن بالرغم من كل هذه النقائص التي من الموسع تفاديها مستقبلا ، فإننا نظن بأن النظام السياسي الجزائري اليوم يسير في الاتجاه الصحيح، عن طريق تكريس المبادئ الديمقراطية المسلم بها عالميا، وكذا التعامل معها بأرقى أشكال النضج والتحضر.

وإذا كان البعض يعتبر بأن هناك أمور كثيرة تنقصنا لإعطاء الديمقراطية معناها الصحيح والكامل(1) فإن مثل هذا الحكم نعتبره – من جهتنا – سلبي للغاية وغير موضوعي، والدليل على ذلك الدراسة التي قام بها مجموعة من خبراء المعهد الأمريكي للدراسات الإستراتيجية "راند كوربوريشن" Ronde Corporation لاسيما منهم المختصين بالشؤون الجزائرية مثل " مايكل ويليس" و " جوناتان شانزر".

حيث أثبتت هذه الدراسة أن المحيط السياسي في الجزائر أضحى – منذ السنوات القليلة الماضية – أكثر استقرارا، كما أن حدة العنف قد تراجعت بصورة ملحوظة، مشيرة بأن الديمقراطية قد أضحت ممكنة في الجزائر (2)، مما يدعوا للقول بأننا نسير فعلا في الاتجاه الصحيح.

وعلى حد تعبير رئيـس مجلس الأمة السيد "عبـد القـادر بن صالـح" فـإن:
" ... تثبيت أركان مؤسسات الدولة أصبح حقيقة لا ينازع فيها أحد، ولكن يبقى تحسين أدائها وتحصين وجودها وتوفير المصداقية لأعمالها، مطلبا متكررا يتوجب على الجميع المساهمة في تعزيز رصيده وتطويره بما يتعايش وتطلعات المواطن"(3).

algerianlawyer
عضو نشط
عضو نشط

المساهمات : 195
تاريخ التسجيل : 10/10/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى