منتديات القانون الجزائري

التنمية السياسية وأزمة الوضع الدستوري في الوطن العربي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

التنمية السياسية وأزمة الوضع الدستوري في الوطن العربي

مُساهمة  algerianlawyer في السبت أكتوبر 10, 2009 2:50 pm

الملتقى الدولي الثاني حول:
التعديلات الدستورية في البلدان العربية
ــــــــــــ
عنوان المداخلة:
التنمية السياسية وأزمة الوضع الدستوري في الوطن العربي

د. بومدين طاشمة
كلية الحقوق
جامعة أبو بكر بلقايد
ـ تلمسان ـ

المقدمة:
الدستور هو القانون الأعلى الذي يحدد القواعد الأساسية لشكل الدولة ونظام الحكم فيها، وينظم السلطات العامة من حيث التكوين والإختصاص، والعلاقة بين هذه السلطات وحدود كل سلطة، والواجبات والحقوق الأساسية للأفراد والجماعات، ويضع الضمانات لها تجاه السلطة.
إذا لم يكن للدولة دستور فمعنى ذلك أن السلطة القائمة بالحكم هي التي تقرر هذا الذي تود الأنظمة الديمقراطية تقريره للدستور. السلطة التي تكون غير مقيدة بدستور ومؤسسات هي سلطة مطلقة تملك إهدار حقوق الإنسان وحرياته (1).
والدستور ليس فقط مجموعة من القواعد القانونية المدونة في وثيقة مكتوبة تتعلق بنظام الحكم في الدولة، بل هو أيضا عملية صياغة قانونية لفكرة سياسية إستطاعت في صراعها مع الأفكار الأخرى أن تؤكد انتصارها بوصولها إلى السلطة وفرض اتجاهها وفلسفتها كقواعد قانونية ملزمة. من هنا، فإن الدساتير، حين تبني النظام القانوني لسلطة الدولة، تؤكد كذلك سيطرة القوة السياسية، كما ترسي الأسس اللازمة لكفالة عنصر الشرعية لهذه القوة. وفي ضوء ذلك يمكننا القول بفكرة الحياد السياسي للدساتير. والمقصود بذلك أن الدساتير تقوم بدور في تنظيم وظيفة الحكم، أيا كان النظام السياسي القائم، سواء أكان ديمقراطيا أو غير ديمقراطي. فكلما صعدت إلى السلطة قوة سياسية جديدة حملت معها فلسفة سياسية جديدة. ولا يكون الدستور في هذه الحالة إلا صياغة قانونية لها ولكل ما تقضي به في شأن نظام الحكم وسلطة الدولة وحقوق الأفراد وحرياتهم العامة (2).
إذا كان الدستور هو أبو القوانين، فإن أي محاولة لإضعافه وإضعاف الحكم الدستوري إنما هي في جوهرها ذريعة لتقويض حكم القانون وسيادة الأمة. وهو ما يؤدي إلى ضياع العدل وفتح المجال للحكم المطلق.
إزاء كل ذلك، فإن الواقع العربي شهد في السنوات الأخيرة مراجعة فكرية واسعة لموضوع الدستور، مترافقة مع الدعوات للإصلاح وتحقيق المزيد من الإجراءات الضامنة لحقوق المشاركة السياسية والعدالة الإجتماعية، وأخذت تلك المراجعات سبلا متعددة للوصول إلى أهدافها، إبتداء من صياغة الدساتير إلى عرضها على الشعب لمناقشتها والاستفتاء عليها.
واستنادا إلى الخبرة الدستورية العربية، على حداثة عهدها نسبيا بالمقارنة مع الخبرة الدستورية الأوروبية، فإن الإشكال الذي يطرح: هل تعديل بعض النصوص الدستورية يعد اقتضاء لمصالح وطنية واستحقاقات يمليها عامل التغيير والتطور والتنمية السياسية، أم أن تعديله ما هو إلا آلية للتكيف واستمرارية النخب الحاكمة في السلطة، ما دام أن جوهر التغيير لم يمس طبيعة السلطة وأسلوب ممارسة الحكم؟

أولا: خصوصية البنية الدستورية وطبيعة النظام السياسي العربي:
إن التمعن في الحياة السياسية للمجتمعات العربية والنظر إليها كما هي على أرض الواقع، يكشف لنا جملة من الخصوصيات التي قد تعد كمظاهر لظاهرة التخلف السياسي ومشكلاته في هذه المجتمعات، من بين الخصوصيات ذات التأثير العميق على مسار العمل التنموي والترسيخ الديمقراطي في هذه المجتمعات ما يلي:

1ـ عدم رشادة ووضوح القواعد القانونية و الدستورية المنظمة لشؤون الحكم والإدارة:
لما كان الدستور يعتبر القاعدة القانونية المنظمة لشؤون الحكم والإدارة، فإن في البلدان العربية ليس سوى مجموعة من النصوص والأحكام المنقولة عن دساتير المجتمعات الغربية، والمعبرة بذلك عن تجارب تاريخية وسياسية لا تتسق في كثير من الأحيان مع ظروف وأوضاع المجتمعات التي نقلت إليها(3). ومن ثم كثيرا ما تم إيقاف العمل به، أو استبدل بغيره، هذا فضلا عما يحدث من خروج على أحكامه عند تعامل أجهزة الدولة مع المواطنين. فالسمة العامة لوضعية القوانين والدساتير في البلدان العربية هي المباعدة بين النصوص الرسمية والواقع العملي، على الرغم من أن هذه الدساتير تظهر في معظم هذه المجتمعات حالة من التوازن بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، إلا أن واقع الحال يوضح سيطرة السلطة التنفيذية التي هي في الأساس سلطة الحاكم أو رئيس الدولة وامتداداته على السلطة التشريعية، والمفروض بها أن تمثل سلطة الشعب(4). على أن الجانب الأكثر أهمية في هذا المجال هو صياغة نصوص القوانين بما يجعلها قابلة لنوع من التطبيق المتكيف مع الأوضاع المتغيرة، وذلك عن طريق إحتفاظ المشرع بهامش من الحركة يسمح بالمناورة عند الحاجة (5).
أيضا الإستناد إلى وثائق دستورية مكتوبة، ومؤسسات وبناءات سياسية حديثة، لم تكن في أغلب الأحوال إلا واجهات سياسية شكلية، لا تعكس الواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي للمجتمعات العربية.
وفي نفس المنحى تشير الدكتورة " ثناء فؤاد عبد الله" إلى أن الأنظمة العربية الرسمية في مجملها لم تصل إلى مفهوم الدولة القانونية، وإلى فلسفة الديمقراطية كأسلوب لسلطة الحكم في قيادة الدولة والمجتمع، فالأقطار العربية تحكم إما بنظم حكم عشائرية أو عائلية، أو بنظم فردية، أو بنظم حكم حزبية وحيدة ماسكة بالسلطة وهيئات دستورية أو قانونية شكلية، لأنها غير منتخبة إنتخابا حرا وحقيقيا(6)، وبالتالي فإنها لا تمثل الإرادة الشعبية، كما أن هذه النظم لا تمتلك الصفة الشرعية لأنها غير منتخبة شعبيا في الأساس.
وفي سياق دراسة العلاقة بين السلطات، تعبر الدساتير العربية عن خلل في إدارة العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية لمصلحة الأخيرة مع تركيز خاص على دور رئيس الدولة في إدارة العملية السياسية. فنجد مثلا أن رئيس الدولة في النظام الجزائري وفقا لدستور 1996 يهيمن على السلطة التشريعية وذلك على الرغم من إقراره بمسؤولية الوزراء أمام البرلمان (المجلس الشعبي الوطني) (7) وليس أمام السلطة التنفيذية. فنجد على سبيل المثال أن الدستور المعدل يعطي لرئيس الجمهورية الحق في التشريع بأوامر، في ظل شغور المجلس الشعبي الوطني، أو بين دورتي انعقاده العاديتين، أو في حالة الإستثناء، بينما أن الدستور الذي أرخ لبداية التحول الديمقراطي في الجزائر لم يكن يثبت تلك الرخصة لرئيس الدولة إلا في حالة الإستثناء فقط (Cool.
وما يسري على العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، يسري وبالقدر ذاته على العلاقة بين السلطتين التنفيذية والقضائية، التي تتميز بهيمنة الأولى على الثانية. فرغم النص على استقلال القضاء في جميع الدساتير العربية، إلا أن رئيس الدولة عادة ما يتدخل في أعمال السلطة القضائية، ومرة أخرى فإن النظم الجمهورية لا تختلف عن النظم الملكية في هذا الخصوص. فمن أشكال التدخل الشائعة في كلا النوعين من النظم، قيام رئيس الدولة بتعيين القضاة. ينص على ذلك دستور عمان بتسليمه بحق السلطان في تعيين كبار القضاة، وينص دستور الجزائر على ترؤس رئيس الدولة للمجلس الأعلى للقضاء الذي يتولى تعيين القضاة ونقلهم ومتابعة تدرجهم الوظيفي(9).
وفي ما يخص حقوق المواطنين وحرياتهم السياسية، يلاحظ على تنظيم سائر الدساتير العربية لها أنه يتم أحيانا بطريقة تعسفية. فنجد فيما يتصل بحرية الرأي والتعبير مثلا أن الدساتير العربية تتخذ عدة مواقف مختلفة. فهناك دساتير تكفل هاتين الحريتين معا لكنها تقصرهما على الالتزام بأيديولوجية الدولة كما هو الحال مع دستور العراق. وهناك مجموعة أخرى من الدساتير لا تتضمن أي إشارة للحريتين معا كما هو الحال مع دستور قطر.
وفي التحليل الأخير، وبالإضافة إلى ما تم ذكره، يمكن القول أن هناك عارضين أساسيين يعطلان إعمال الحقوق والحريات العامة في الوطن العربي: العارض الأول هو الإعمال القانوني أو الفعلي لقوانين الطوارئ. والعارض الثاني هو محدودية المواثيق والاتفاقيات الدولية المتصلة بحقوق الإنسان التي تنضم إليها الدول العربية.
فبالنسبة لقوانين الطوارئ، فإن هناك دولا تعلن العمل بها رسميا مثل سوريا منذ 1963، ومصر منذ 1981، والجزائر منذ 1992. وهناك دول تزاول العمل بها فعليا من دون إعلان إلتزامها بذلك مثل البحرين. ولا تختلف الممارسات في الحالتين بكل ما تنطوي عليه من توسيع قاعدة الإشتباه، وتشكيل المحاكم الاستثنائية مع عدم توفر ضمانات العدالة لمحاكماتها، وتقييد حريات الرأي والتعبير. وترد إحدى وجهات النظر على المنطق الداعي إلى العمل بقانون الطوارئ على أساس هشاشة الوضع الأمني والخوف من شيوع عدم الاستقرار وتقويض أركان الدولة، بالقول إن في ترسانة القوانين الاستثنائية والعقوبات المغلظة في القوانين الجنائية ما يتكفل بتحقيق الهدف من فرض حالة الطوارئ سواء بشكل رسمي أو بشكل غير رسمي.
وانتهاء بمحدودية الاتفاقيات المتصلة بحقوق الإنسان التي تنضم إليها الدول العربية، فيلاحظ على سبيل المثال أنه رغم انقضاء أكثر من ثلاثة عقود على إصدار العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهما العهدان اللذان يمثلان قاعدة الإلتزام الدولي بحقوق الإنسان، إلا أن هناك نحو ثلث الدول العربية ( بلدان مجلس التعاون الخليجي ما عدى الكويت، وموريتانيا، وجيبوتي )ما زال يرفض الإنضمام إليهما. كما لا يتجاوز عدد المنضمين إلى البروتوكول الاختياري الملحق بهما، والذي يؤسس آلية لتلقي الشكاوى من انتهاكات حقوق الإنسان، ثلاث دول فقط هي ( الجزائر، ليبيا، والصومال ).
وعلى صعيد آخر، ورغم تواضع حجم الاتفاقيات الدولية المنضمة إليها الدول العربية، فإنها عادة ما ترفق انضمامها بجملة من التحفظات التي تفرغ الاتفاقية المعنية ( كإتفاقية مناهضة التعذيب ) من مضمونها أو تكاد (10).

2ـ عدم استكمال عملية البناء المؤسسي للدولة:
يلاحظ أنه في العديد من الحالات تبدو الدولة في البلدان العربية وكأنها لم تستكمل بعد إمتلاك مقومات الدولة بمعناها الحديث، فبناؤها المؤسسي لم يستكمل بعد، كما أن مفهومها كدولة لم يستقر بعد في الوعي الجمعي، إضافة إلى ضعف امتلاكها لإستقلالية ذاتية عن شخص الحاكم الذي يمارس سلطة الدولة. ويترتب على هذا الأمر تداعيات كثيرة أبرزها أن الدولة تتحول إلى أداة في يد نخبة حاكمة تستند في ممارستها للسلطة إلى أساس عائلي، قبلي أو ديني أو ديمقراطي شكلي. وفي معظم الحالات يعتبر القمع وليس الشرعية الدستورية هو الضمانة الرئيسية لتأمين النظم الحاكمة وضمان استمرارها في السلطة.

3ـ ضعف وهشاشة الدولة على الرغم من تضخم أجهزتها ومؤسساتها الدستورية:
من المؤكد أن مؤسسات الدولة العربية قد تضخمت بصورة كبيرة خلال العقود الخمسة الماضية، ما ترتب عليه تمدد دور الدولة في الاقتصاد والمجتمع. ولكن على الرغم من ذلك فإن الدولة في العديد من الحالات ليست دولة قوية، بل هي ضعيفة وهشة، سواء فيما يتعلق بقدرتها على خلق علاقة صحية مع مجتمعها، وإيجاد إجماع عام بين مواطنيها حول القضايا العامة والكبرى، أو بقدرتها على تبني وتنفيذ الخطط والسياسات الملائمة لمواجهة المشكلات والتحديات المجتمعية، فضلا عن ضعفها في تأكيد معاني الإستقلال الوطني، وتقليص قيود التبعية للعالم الخارجي (11). وهكذا تبدو المفارقة كبيرة بين تضخم أجهزة الدولة من ناحية، وضعف أدائها وهشاشتها البنيوية من ناحية أخرى، وهو ما إنعكس في تواضع معدل انجازاتها بصفة عامة.

ثانيا: الإصلاحات الدستورية كمدخل لإرساء أسس دولة المؤسسات وسيادة القانون:
يشكل المدخل الدستوري والقانوني عنصرا أساسيا في عملية التنمية السياسية وإصلاح الدولة. فالدستور والقانون هما المرجعية لمختلف العمليات والتفاعلات السياسية وغير السياسية. وثمة عناصر عدة يتضمنها المدخل الدستوري لعملية التنمية السياسية وإصلاح الدولة، منها ما يلي:

أ/ـ إزالة أية أوجه للتناقض أو التعارض بين الدستور من ناحية، والقوانين من ناحية أخرى، فالملاحظ أن دساتير البلدان العربية تتضمن في معظمها الكثير من المبادئ العامة الجيدة، وبخاصة فيما يتعلق بحقوق الإنسان. إلا أن القوانين المنظمة لتطبيق تلك المبادئ وممارستها تتضمن الكثير من القيود والضوابط التي غالبا ما تفرغ المبادئ الدستورية من مضامينها الحقيقية. ويمكن فهم ذلك في إطار سعي النظم الحاكمة إلى استخدام القانون أداة لترسيخ سلطاتها وإحكام قبضتها على المجتمع، بل إن الدول التي اتخذت خطوات جزئية على طريق العمل التنموي الديمقراطي، مثل الجزائر ومصر وتونس وغيرها، قد حرصت على إحاطة تلك الخطوات بجملة من القيود والضوابط القانونية التي يصعب معها إنجاز تحول ديمقراطي حقيقي وجاد. وهكذا فإن إزالة التعارض والتناقض بين الدساتير من ناحية، والقوانين من ناحية أخرى، يمثل عنصرا مهما في عملية الإصلاح السياسي والقانوني.

ب/ـ إلغاء حالة الطوارئ المعمول بها في العديد من الدول العربية، وإلغاء القوانين والتشريعات الاستثنائية المقيدة للحقوق والحريات. وهذا لا يعني بحال من الأحوال التهاون فيما يتعلق بالقضايا والاعتبارات الأمنية، على أساس أن توفير الأمن للمواطنين هو من الوظائف الرئيسية للدولة. ولكن توفير الأمن في إطار القوانين العادية أو قوانين إستثنائية شيء، واتخاذ الأمن ذريعة للتوسع في إصدار القوانين الاستثنائية التي تتضمن قيودا على حقوق المواطنين وحرياتهم شيء آخر. والمشكلة أن النظم العربية تتبنى النهج الثاني. وفي ضوء ذلك، إن أي شكل من أشكال المعارضة لسياسات السلطة حتى ولو كان سلميا، يصبح في نظرها يمثل خطرا على أمن الدولة والمجتمع، ولذا فإن عملية الإصلاح لا بد من أن تقوم على أساس التخلي عن مثل هذه الممارسات بصورة نهائية.

ج/ـ تطوير عملية صنع القوانين والتشريعات( السياسة التشريعية )، فالملاحظ في بلدان عربية عديدة أن مستوى هذه السياسة يعتبر بصفة عامة متدنيا من حيث صياغة القوانين وإعدادها كعملية فنية، ومناقشتها وإقرارها كعملية قانونية وسياسية، وهو ما يترتب عليه أن كثيرا من القوانين تتم صياغتها وإصدارها على عجل دون دون إيفائها حقها من البحث والنقاش، ما يجعلها مشوبة بالعديد من العيوب الشكلية والمضمونية ويعرضها إلى كثرة التعدليل، مما ئؤثر سلبا في الإستقرار القانوني والتشريعي. كما أن تدني السياسة التشريعية يجعل القوانين مليئة بالثغرات التي تفتح أبواب التحايل عليها والعبث بها.

د/ـ العمل بمبدأ سيادة القانون، وهو يعني تطبيق القانون على الجميع دون تمييز و استثناء لسبب أو لآخر. بمعنى أن سيادة القانون تعني المساواة أمام القانون، وهذا أمر مفتقد في العديد من الدول العربية بدرجات متفاوتة، حيث توجد فئات وجماعات تعتبر نفسها فوق القانون وتتصرف على هذا الأساس، ما يشكل إخلالا بسيادة القانون من ناحية، ويلحق الضرر بهيبته من ناحية أخرى. وفي بعض الحالات تبدو أجهزة الدولة رخوة وغير حاسمة في تطبيق القانون. بل إنه في العديد من الحالات يلاحظ أن بعض أجهزة الدولة ذاتها تنتهك القانون وتمتنع عن تنفيذ الأحكام الصادرة ضدها في إطاره أو تتحايل بأشكال مختلفة على هذا الأمر. وعليه، فإن تحقيق مبدأ سيادة القانون، وإلتزام الدولة وأجهزتها تقديم القدوة في مجال إحترام الدستور والقانون، يعتبران من العناصر الأساسية لعملية الإصلاح القانوني وترشيد الحكم.

هـ/ـ إن الهياكل القانونية والتشريعية في الدول العربية عديدة تراكمت عبر فترات ممتدة من الزمن، ما أوجد نوعا من التضارب والتداخل بين بعض القوانين من ناحية، وأصاب الهيكل التشريعي بالترهل والتضخم من ناحية أخرى. ولذلك فإن مراجعة تلك الهياكل التشريعية وتصفيتها أصبح أمرا ضروريا، فالمطلوب هو عدد أقل من القوانين، وفاعلية أكثر في تطبيقها مع تأكيد مبدأ سيادة القانون.

الخاتمة:
وأخيرا، إن المفهوم العام والفلسفي لوضع وتحديد استراتيجية بديلة في عملية بناء المؤسسات الدستورية والتي تعد مكملة لاستراتيجية التنمية السياسية الشاملة، هو ذلك الذي يرمي أساسا إلى خدمة الإنسان وتحقيق رقيه وازدهاره. أي أن يكون الهدف الأول والنهائي للإصلاحات الدستورية هو تحقيق رغبات الجماهير، لأن الإصلاح الشامل والأصيل لا يكون معزولا عن الإطار الاجتماعي والسياسي والحضاري للمجتمع الذي يتم فيه الإصلاح نفسه. وبالتالي فإن فعالية وجدوى هذا الإصلاح تكمن فيما مدى حرصه على تلبية رغبات الجماهير.
لذلك فإن نجاحها رهن بتوافر الدفعة السياسية اللازمة، وكذلك المقومات المجتمعية الكلية التي تدعم وتؤازر تنمية نظم إدارة الجهاز السياسي والاقتصادي والاجتماعي ككل. فنجاحها يتطلب تبني القيادة السياسية لهدف التغيير والتطوير تغييرا وتصحيحا في توازنات القوى بين المؤسسات والسلطات في المجتمع.
كنتيجة لكل ذلك، فإن الإصلاح الشامل لا يتصور أن يسفر عن نجاح حقيقي دون أن يكون جزءا من استراتيجية تنموية شاملة. وتتضافر في داخلها جهود التنمية السياسية مع جهود التنمية الإدارية والاجتماعية والاقتصادية.


هوامش الدراسة:

(1) ـ المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 10/02/1948.
(2) ـ طعيمة الجرف، نظرية الدولة، القاهرة: مكتبة القاهرة الحديثة، 1973، ص 409.
(3) ـ فالاشتراكية والرأسمالية على السواء هما من الإيديولوجيات السياسية الشائعة الإنتشار في الدول العربية، إما أنهما منقولتان حرفيا أو بشكل محرف عن الفكر الماركسي والليبرالي الكلاسيكي، أو عبارة عن مزيج من الأفكار الماركسية والرأسمالية المترابطة على نحو توفيقي، ولا تعبر عن اتجاه محدد واضح المعالم والأبعاد، ولذا صارت في التطبيق العملي أقرب ما تكون من رأسمالية الدولة التي تقوم على سيطرة البيروقراطية الحكومية التسلطية، وما يحكم سلوكها من ضوابط إدراية وقانونية تعيق عملية التنمية السياسية الشاملة.
لمزيد من التفاصيل أنظر:
ـ برتراند بادي، الدولـة المستوردة: تغريب النظام السياسي، ترجمة لطيف فرج، القاهرة: دار العالم الثالث، 1996، ص 117.
(4) ـ خميس حزام والي، إشكالية الشرعية في الأنظمة السياسية العربية مع إشارة إلى تجربة الجزائر، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2003، ص 54.
(5) ـ من الأمثلة عن ذلك تعليق الدستور الجزائري لسنة 1963 إثر الإنقلاب العسكري في 19جوان 1965، والفراغ الدستوري لدستور 1989 بعد(إستقالة) رئيس الجمهورية "الشاذلي بن جديد".
(6) ـ ثناء فؤاد عبد الله، آليات التغيير الديمقراطي في الوطن العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997، ص 78.
(7) ـ يلاحظ أنه بمقتضى الدستور المعدل، أصبح البرلمان يتكون من غرفتين، المجلس الشعبي الوطني وهو منتخب بالإنتخاب العام المباشر والسري ومدته خمس سنوات، ومجلس الأمة الذي ينتخب ثلثا أعضائه بالإنتخاب السري غير المباشر من بين أعضاء المجالس البلدية والولائية، ويعين رئيس الجمهورية الثلث الأخير من الشخصيات العامة في الدولة، ومدته ست سنواتعلى أن يتم تجديد تشكيل نصف أعضائه كل ثلاث سنوات.
(Cool ـ نص دستور 1996، ص 26، ونشرة المنظمة العربية لحقوق الإنسان، العددان 104ـ105، أكتوبر ـ نوفمبر 1996، ص 10.
(9) ـ نشرة المنظمة العربية لحقوق الإنسان، المصدر نفسه، ص 7، ونص دستور 1996، ص 29.
(10) ـ المنظمة العربية لحقوق الإنسان، المصدر نفسه، ص 10ـ13.
(11) ـ حسنين توفيق إبراهيم، النظم السياسية العربية الاتجاهات الحديثة في دراستها، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005، ص 59.

algerianlawyer
عضو نشط
عضو نشط

المساهمات : 195
تاريخ التسجيل : 10/10/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى